الغزالي

37

إحياء علوم الدين

فسبحان من دبر هذه العجائب في القلوب والأبصار ، ثم أعمى عن دركها القلوب والأبصار ، حتى صارت قلوب أكثر الخلق جاهلة بأنفسها وبعجائبها ولنرجع إلى الغرض المقصود فنقول القلب قد يتصور أن يحصل فيه حقيقة العالم وصورته ، تارة من الحواس ، وتارة من اللوح المحفوظ . كما أن العين يتصور أن يحصل فيها صورة الشمس ، تارة من النظر إليها وتارة من النظر إلى الماء الذي يقابل الشمس ويحكى صورتها . فمهما ارتفع الحجاب بينه وبين اللوح المحفوظ ، رأى الأشياء فيه ، وتفجر إليه العلم منه ، فاستغنى عن الاقتباس من داخل الحواس ، فيكون ذلك كتفجر الماء من عمق الأرض . ومهما أقبل على الخيالات الحاصلة من المحسوسات ، كان ذلك حجابا له عن مطالعة اللوح المحفوظ ، كما أن الماء إذا اجتمع في الأنهار منع ذلك من التفجر في الأرض ، وكما أن من نظر إلى الماء الذي يحكى صورة الشمس لا يكون ناظرا إلى نفس الشمس فإذا للقلب بابان ، باب مفتوح إلى عالم الملكوت ، وهو اللوح المحفوظ وعالم الملائكة ، وباب مفتوح إلى الحواس الخمس ، المتمسكة بعالم الملك والشهادة . وعالم الشهادة والملك أيضا يحاكى عالم الملكوت نوعا من المحاكاة . فأما انفتاح باب القلب إلى الاقتباس من الحواس فلا يخفى عليك . وأما انفتاح بابه الداخل إلى عالم الملكوت ، ومطالعة اللوح المحفوظ ، فتعلمه علما يقينيا بالتأمل في عجائب الرؤيا ، واطلاع القلب في النوم على ما سيكون في المستقبل ، أو كان في الماضي ، من غير اقتباس من جهة الحواس . وإنما ينفتح ذلك الباب لمن انفرد بذكر الله تعالى وقال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « سبق المفرّدون » قيل ومن هم المفردون يا رسول الله ؟ قال « المتنزّهون بذكر الله تعالى وضع الذّكر عنهم أوزارهم فوردوا